عفيف الدين التلمساني

156

شرح مواقف النفري

مقامات البقاء بعد الفناء ، وذلك لشهود صاحبه من حضرة المطلع عالم الخلق وهو الظاهر ، وعالم الأمر وهو الباطن ، والحد بينهما وهو برزخ البحرين ، فهو يقول له : إذا رأيت الحد كان الحق تعالى غيبا وكان الخلق شهادة ، وستعرف كيف إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( وقال لي : إذا كنت عندي رأيت الضدّين والذي أشهدهما فلم يأخذك الباطل ولم يفتك الحق ) . قلت : معناه إذا رأيت الوجود الصرف تعالى الذي أشير إليه بعندي رأيت الضدين ، ويعني بهما الحق والباطل وحقيقتهما الوجود والماهيات ، فلم تأخذك الماهيات إذ هي الباطل ، ولم يفتك الوجود إذ هو الحق ، وإنما سمي الماهيات باطلا لأنها تعينات عدمية ، والعدم باطل ، وأما الوجود فحق . قوله : ( وقال لي : الباطل يستعير الألسنة ولا يوردها موردها كالسهم تستعيره ولا تصيب به ) . قلت : معناه أن الماهيات التي هي الباطل تستدعي التعبير عنها ، ولولا أنها نسب في الوجود لما كان عنها عبارة ، وذلك هو استعارة الألسن ، ثم إنه إذا وقع التعبير عنها كما يذكره المنطقيون في مقولة المضاف ، لم ترد العبارة في موردها ؛ إذ العبارة إنما تقع باعتبار الوجود إذ فيه التمايز ( لا في العدم ) فأعجب لهما من متلازمين متقابلين فالتمييز في الوجود لا به ، وبالعدم لا فيه ، فإذا تبعت التميزات والنسب والإضافات كانت في الذهن لا في الخارج ، وإذا تبعت ما في الذهن تكرر الأمر ، وذلك أنك تجد إذا استحضرت الذهنيات في الذهن أيضا فتجد النسب الأول إعداما ، ثم تعتبر الثواني وهكذا إلى غير نهاية ، فلا تجد إلا استحضارات ذهنية وجودها للوجود وتفاصيل وجودها للعدم ، وفي هذا البحر غرق الأولون والآخرون ولم يقدروا أن يتخلصوا منه سوى أهل الشهود . قوله : ( وقال لي : الحق لا يستعير لسانا من غيره ) . قلت : الوجود لا يفتقر شهوده إلى عبارة ، وذلك هو كونه لا يستعير لسانا من غيره بخلاف العدم فإنه يستعير من الوجود .